
عملت سنوات في تنظيم حملات التوعية الأسرية، وتعلمت أن الحملة لا تنجح بكثرة المطبوعات ولا بضخامة الافتتاح. حملات كثيرة بدأت بحماس كبير وانتهت دون أثر، وحملات أخرى بميزانية بسيطة غيّرت سلوك أسر كثيرة. الفرق بينهما في ستة عناصر أراها حاسمة.
أكثر خطأ رأيته هو الحملة التي تريد معالجة كل شيء معًا: الإدمان الرقمي والعنف والحوار الأسري والتغذية. النتيجة رسالة مشتتة لا يتذكرها أحد. الحملة الناجحة تبدأ بسؤال واحد: ما السلوك الذي نريد تغييره تحديدًا؟ مثل "تقليل وقت الشاشات لدى الأطفال إلى ساعتين يوميًا"، فهذا هدف يمكن متابعته وقياسه.
في إحدى الحملات أعددنا محتوى ممتازًا، ثم اكتشفنا أن أغلب الأمهات المستهدفات لا يحضرن المحاضرات المسائية بسبب التزامات البيت. لذلك صرت أبدأ كل حملة باستبيان قصير أو جلسة استماع مع عينة من الأسر: ما همومهم؟ متى يتوفر وقتهم؟ وأي لغة يفهمونها؟ الحملة التي لا تعرف جمهورها تتحدث إلى نفسها.
الأسر لا تحتاج إلى مصطلحات تربوية معقدة، بل إلى رسالة تلمس حياتها اليومية. وجدت أن قصة حقيقية واحدة من أب أو أم تؤثر أكثر من عشر شرائح عرض مليئة بالإحصاءات. والشعار القصير الذي يسهل تكراره، مثل "ساعة بلا شاشة"، يبقى في الذاكرة ويتحول إلى عادة.
الحملة التي ينفذها فريق واحد تبقى محدودة. أنجح الحملات التي شاركت فيها كانت تلك التي تعاونت فيها المدرسة مع المسجد والمركز الصحي والجمعيات المحلية وأولياء الأمور المؤثرين. فعندما يسمع ولي الأمر الرسالة نفسها من المعلم وإمام المسجد وطبيب العائلة، تصبح أقرب إلى القناعة.
أثبتت التجربة أن المحاضرات وحدها تُنسى سريعًا. أما الورش العملية والمسابقات الأسرية والأيام المفتوحة والتحديات الأسبوعية فتُشرك الأسرة كلها في التجربة. في إحدى الحملات أطلقنا "تحدي العشاء العائلي دون هواتف" لمدة أسبوعين، وما زالت أسر كثيرة تطبقه حتى اليوم.
الحملة لا تنتهي مع حفل الختام. الأثر الحقيقي يظهر بعد أسابيع وأشهر. لذلك أحرص على قياس الوضع قبل الحملة وبعدها، وعلى التواصل مع الأسر المشاركة عبر مجموعات متابعة أو رسائل تذكير. والتقييم الصادق، بما فيه الاعتراف بالأخطاء، هو ما يجعل الحملة التالية أنجح.
الحملة الأسرية الناجحة لا تعتمد على حجم الميزانية، بل على وضوح الهدف وفهم الناس والعمل معهم لا من فوقهم. وحين تشعر الأسرة أن الحملة جاءت لتساعدها لا لتعظها، تفتح لها أبوابها، وهنا يبدأ التغيير الحقيقي.